فصل: تفسير الآية رقم (3):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: محاسن التأويل



.سورة ص:

بسم الله الرحمن الرحيم

.تفسير الآية رقم (1):

القول في تأويل قوله تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [1].
{ص} بالسكون على الوقف. وقرئ بالكسر والفتح. اسم للسورة، على القول المتجه عندنا، فيه وفي نظائره، لما قدمنا غير ما مرة. وقيل: قسم رمزي، وإليه نحا المهايمي. قال: أقسم الله سبحانه وتعالى بصدق محمد صلّى الله عليه وسلم الذي اعترف به الكل في غير دعوى النبوة، حتى صدقه أهل الكتابين في إخباره عن الغيوب، الدال على الصدق في دعوة النبوة، أو بصفائه عن رذائل الأخلاق، وقبائح الأفعال الدال على صفائه عن نقيصة الكذب، أو بصعوده في مدارج الكمالات، الدال على صعوده في مدارج القرب من الله، أو بصبره الكامل هو لوازم الرسالة على أنه رسول. انتهى.
{وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْر} أي: الشرف الدال على حقيقته وصدقه، أو التذكير، كآية: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء: 10]، والجواب محذوف لدلالة السياق عليه، أي: أنه لحق. وقوله:

.تفسير الآية رقم (2):

القول في تأويل قوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} [2].
{بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ} أي: كبر: {وَشِقَاقٍ} أي: عداوة للحق، والإذعان له. إضراب عما قبله، كأنه قيل: لا ريب فيه قطعاً، وليس عدم إيمان الكفرة به لشائبة ريبٍ مما فيه، بل هم في حميّة جاهلية، وشقاق بعيد لله ولرسوله، ولذلك لا يذعنون له. وقيل: الجواب ما دل عليه الجملة الإضرابية، أي: ما كفر به من كفر لخلل وجده فيه {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} ثم أوعدهم على شقاقهم بقوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (3):

القول في تأويل قوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} [3].
: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} أي: لكبرهم عن الحق، ومعاداتهم لأهله: {فَنَادَوْا} أي: فدعوا واستغاثوا: {وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} أي: وليس الحين حين فرار، ومهرب، ومنجاة. والكلام على لات، وأصلها، وعملها، والوقف عليها، ووصل التاء بها، أو فصلها عنها، مبسوط في مطولات العربية، وفي معظم التفاسير هنا.

.تفسير الآيات (4- 5):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [4- 5].
{وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ} أي: رسول: {مِّنْهُمْ} أي: من أنفسهم، يعني النبي صلّى الله عليه وسلم: {وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} أي: بليغ في العجب، وذلك لتمكن تقليد آبائهم في نفوسهم، ورسوخه في أعماق قلوبهم، ومضي قرون عديدة عليه، وإلفهم به وأنسهم له، حتى ران على قلوبهم، وغشي على أبصارهم، ونسي باب النظر والاستدلال. بل محي بالكلية من بينهم. وصار عندهم من أبطل الباطل، وأمحل المحال.

.تفسير الآية رقم (6):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [6].
{وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ} أي: الأشراف من قريش يحضّون بعضهم على التمسك بالوثنية، ويتواصون بالصبر على طغيانهم قائلين: {أَنِ امْشُوا} أي: في طريق آبائكم: {وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} أي: عبادتها مهما سمعتم من تسفيه أحلامنا، وتفنيد مزاعمنا: {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} تعليل للأمر بالصبر، أي: يراد منا إمضاؤه وتفنيده لا محالة، أي: يريده محمد من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يقال من طرف اللسان. أو المعنى: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد منا، أي: بنا، فلا انفكاك لنا عنه، وما لنا إلا الاعتصام عليه بالصبر.

.تفسير الآية رقم (7):

القول في تأويل قوله تعالى: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [7].
{مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} أي: ما سمعنا بهذا التوحيد الذي ندعى إليه في ملة النصارى؛ لأنهم مثلثة غير موجودة، أو في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا: {إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} أي: ما هذا التوحيد إلا فرية محضة، لا مستند له سوى هذا الذكر بزعمهم.

.تفسير الآية رقم (8):

القول في تأويل قوله تعالى: {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [8].
{أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} أي: مع أن فينا من هو أثرى وأعلى رياسة. قال الزمخشري: أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم، وينزل عليه الكتاب من بينهم، كما قالوا: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31]، وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلي به صدورهم من الحسد، على ما أوتي من شرف النبوة من بينهم: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي} إضراب عن مقدر، أي: إنكارهم للذكر ليس عن علم، بل هم في شك منه، يقولون في أنفسهم: إما وإمّا: {بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} أي: على الإنكار. فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الشك، والحسد، وصدّقوا وتصديقهم لا ينفعهم حينئذ؛ لأنهم صدقوا مضطرين.
قال الناصر في الانتصاف: ويؤخذ منه أن: {لَمَّا} لائقة بالجواب. وإنما ينفى بها فعل يتوقع وجوده، كما يقول سيبويه، وفرق بينها وبين لَمْ، بأن لم: نفي لفعل يتوقع وجوده لم يقبل مثبته، قد. ولما: نفي لما يتوقع وجوده أُدخل على مثبته، قد.
وقال: إنما ذكرت ذلك لأني حديث عهد بالبحث في قوله عليه الصلاة والسلام: «الشفعة فيما لم يقسم». فإني استدللت به على أن الشفعة خاصة بما يقبل القسمة. فقيل لي: إن غايته أنه أثبت الشفعة فيما نفى عنه القسمة، فإما لأنها لا تقبل قسمة، وإما أنها تقبل ولم تقع القسمة، فأبطلت ذلك بأن آلة النفي المذكورة لم، ومقتضاها، قبول المحل الفعل المنفي وتوقع وجوده. ألا تراك تقول: الحجر لا يتكلم. ولو قلت: الحجر لم يتكلم. لكان ركيكاً من القول؛ لإفهامه قبوله للكلام. انتهى. وهو لطيف جيد.

.تفسير الآية رقم (9):

القول في تأويل قوله تعالى: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} [9].
{أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} أي: حتى يتخيروا لنبوة ما تهوى أنفسهم. كلا: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68]، {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124].

.تفسير الآية رقم (10):

القول في تأويل قوله تعالى: {أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ} [10].
{أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ} أي: فليصعدوا في المراقي التي توصلهم إلى السماء، وليتحكموا بما شاءوا في الأمور الربانية، والتدابير الإلهية.
روى ابن جرير بسنده عن الربيع بن أنس قال: الأسباب أدق من الشعر، وأشد من الحديد، وهو بكل مكان، غير أنه لا يرى. انتهى.
وهذا البيان ينطبق على ما يعرّف به الأثير الموجود في أجزاء الخلاء المظنون أنها فارغة. فتأمل.
ثم قال ابن جرير: وأصل السبب عند العرب، كل ما تسبب به إلى الوصول إلى المطلوب من حبل، أو وسيلة، أو رحم، أو قرابة، أو طريق، أو محجة، وغير ذلك. انتهى.
وقال المهايمي: أي: فليصعدوا في الأسباب التي هي معارج الوصول إلى العرش، ليستووا عليه، فيدبروا العالم، وينزلوا الوحي على من شاءوا. وأنى لهم ذلك؟.

.تفسير الآية رقم (11):

القول في تأويل قوله تعالى: {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ} [11].
{جُندٌ مَّا} أي: هم جند حقير: {هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ} أي: الذين كانوا يتحزبون على الأنبياء قبلك، وأولئك قد قهروا وأهلكوا. وكذا هؤلاء. فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث لما به يهذون. و{هُنَالِكَ} إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل هذا القول، فهو مجاز. وجوز أن يكون حقيقة، للإشارة إلى مكان قولهم وهو مكة. قال قتادة: وعده الله وهو بمكة يومئذ، أنه سيهزم جنداً من المشركين. فجاء تأويلها يوم بدر. وقال ابن كثير: هذه الآية كقوله جلت عظمته: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 44- 45]. وكان ذلك يوم بدر، وفي الآية أوجه من الإعراب أشار له السمين بقوله: {جُندٌ} يجوز فيه وجهان:
أحدهما- وهو الظاهر- أنه خبر مبتدأ، أي: هم جند. و{مَّا} فيها وجهان:
أحدهما: أنه مزيدة.
والثاني: أنها صفة لـ: {جند}، على سبيل التعظيم، للهزء بهم، أو للتحقير. فإن ما، إذا كانت صفة تستعمل لهذين المعنيين. و{هُنَالِكَ} يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها- أن يكون خبراً لـ: {جند}. وما: مزيدة و{مَهْزُومٌ} نعت لـ: {جند}.
والثاني- أن يكون صفة لـ: {جند}.
الثالث- أن يكون منصوبا بـ: {مهزوم}.
و{مَهْزُومٌ} يجوز فيه أيضاً وجهان: أحدهما- أنه خبر ثان لذلك المبتدأ المقدر، والثاني أنه صفة لـ: {جند}. و{هُنَالِكَ} مشارٌ به إلى موضع التقاول، والمحاورة بالكلمات السابقة، وهو مكة، أي: سيهزمون بمكة، وهو إخبار بالغيب. وقيل: مشار به إلى نصرة الإسلام. وقيل: إلى حفر الخندق، يعني إلى مكان ذلك.
الثاني- من الوجهين الأولين- أن يكون جند: مبتدأ، وما: مزيدة و{هُنَالِكَ} نعت و{مَهْزُومٌ} خبره. وفيه بعد، لتفلّته عن الكلام الذي قبله. انتهى.
فائدة:
روى ابن عباس في هذه الآية أنه لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش، فيهم أبو جهل، فقالوا إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته! فبعث إليه. فجاء النبي صلّى الله عليه وسلم فدخل البيت، وبينهم، وبين أبي طالب قدر مجلس رجل. قال فخشي أبو جهل- لعنه الله- إن جلس إلى جنب أبي طالب، أن يكون أرق له عليه. فوثب فجلس في ذلك المجلس. ولم يجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم مجلساً قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي: ابن أخي! ما بال قومك يشكونك! يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول، قال، وأكثروا عليه من القول. وتكلم رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: «يا عم! أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية». ففزعوا لكلمته ولقوله. فقال القوم: كلمة واحدة؟ نعم، وأبيك عشراً. فقالوا: وما هي؟ وقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال صلّى الله عليه وسلم: «لا إله إلا الله». فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} ونزلت الآية. رواه ابن جرير، والإمام أحمد، والنسائي، والترمذي وحسنه.

.تفسير الآية رقم (12):

القول في تأويل قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ} [12].
{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} أي: قبل قريش: {قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ} وهم قوم هود: {وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ} أي: الملك الثابت. وأصله البيت المطنّب، أي: المربوطة أطنابه- أي: حباله- بأوتاده، استعير للملك استعارة تصريحية، وصف به فرعون مبالغة بجعله عين ملكه، أو شبه فرعون في ثبات ملكه بذي بيت ثابت، أقيم عموده، وثبتت أوتاده. على طريق الاستعارة المكنية، وأثبت له ما هو من خواصه تخييلاً، وهو قوله: {ذُو الْأَوْتَادِ} فإنه لازم له، أو هو كناية، حيث أطلق اللازم، وأريد الملزوم، وهو الملك الثابت، وقد جاء هذا في قول الأسود من شعراء الجاهلية:
وَلَقَدْ غَنُوْا فِيْهَاْ بِأَنْعَمِ عِيْشَةٍ ** فِيْ ظِلِّ مُلْكٍ ثَاْبِتِ الْأَوْتَاْدِ

أو المعنى: ذو الجموع الكثيرة، سمّوا بذلك لأن بعضهم يشد بعضاً، كالوتد يشد البناء. فالاستعارة تصريحية في الأوتاد، أو هو مجاز مرسل للزوم الأوتاد للجند، أو هو على حقيقته، والمراد المباني العظيمة، والهياكل الثابتة الفخيمة، واللفظ صادق في الكل.

.تفسير الآية رقم (13):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ} [13].
{وَثَمُودُ} وهم قوم صالح: {وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ} أي: الغيضة، وهم قوم شعيب: {أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ} أي: الكفار المتحزبون على رسلهم، الذين جعل الجند المهزوم منهم.

.تفسير الآية رقم (14):

القول في تأويل قوله تعالى: {إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} [14].
{إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} أي: فوجبت عليهم عقوبتي. قال الشهاب: {إِن} نافية و{كُلٌّ} محذوف الخبر. والتفريغ من أعم العام، أي: ما كل أحد مخبر عنه بشيء، إلا مخبر عنه بأنه كذب جميع الرسل؛ لأن الرسل يصدق كل منهم الكل. فتكذيب واحد منه تكذيب للكل، أو على أنه من مقابلة الجمع بالجمع، فيكون كل كذب رسوله، أو الحصر مبالغة، كأن سائر أوصافهم بالنظر إليه، بمنزلة العدم. فهم غالبون فيه. انتهى.
وقال الزمخشري: وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه، والتنويع في تكريره بالجملة الخبرية أولاً، والاستثنائية ثانياً. وما في الاستثنائية من الوضع على وجه التوكيد والتخصيص- أنواع من المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق أشد العقاب وأبلغه.
وزاد الناصر فائدة أخرى للتكرير: وهي أن الكلام لما طال بتعديد آحاد المكذبين، ثم أريد ذكر ما حاق بهم من العذاب جزاء لتكذيبهم، كرّر ذلك مصحوباً بالزيادة المذكورة، ليلي بقوله تعالى: {فَحَقَّ عِقَابِ} على سبيل التطرية المعتادة عند طول الكلام، وهو كما قدمته في قوله: {وَكُذِّبَ مُوسَى} [الحج: 44]، حيث كرر الفعل ليقترن بقوله: {فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ} [الحج: 44]. انتهى.